عرق تربيانكو احلى وصفة طبق لحمة للعيد
لم تكن "مريم" ممن تخاف الظلام...
لكن ما شعرت به في تلك اللحظة لم يكن خوفًا من الظلام، بل من الضوء الذي لا يضيء شيئًا.
سيدة في أواخر العشرينات، تركت مدينتها القديمة منذ سنوات بحثًا عن بداية جديدة، عن نسيان مؤلم.
لكن شيئًا ما داخلها كان يجذبها للعودة… رغبة غامضة، حلم تكرر، صوت في منامها كان يهمس:
"ارجعي… المدينة لم تنتهِ بعد."
عادت "مريم" بعد خمس سنوات من الغياب، لكنها لم تجد المدينة التي تعرفها.
شوارعها القديمة كانت هناك، لكن بلا ناس.
لا بائع الذرة عند الناصية، ولا صوت المؤذن الذي كانت تحبه من الجامع القديم.
كل شيء بدا وكأنه صورة باهتة… لوحة معلقة داخل عقلها، لا في الواقع.
وقفت وسط الميدان الكبير، تتلفت حولها…
الساعة التي كانت تزيّن المبنى الحكومي توقفت.
الهواء كان ساكنًا جدًا… ثم، فجأة، همس جدار بصوتٍ يشبه صوتها:
"أنتِ التي تركتِنا، نحن لم نغفر لك."
تراجعت خطوة، لكن الأرض تحتها تنفّست!
نعم… شعرت بها. كأن المدينة كلها قلبٌ ينبض، والشارع شريان طويل ينتظر الدم ليمرّ.
صرخت.
لكن صدى صراخها عاد بصوت غريب:
"مريم… المدينة لا تنسى."
---
✴️ وها هي تعرف السر...
أثناء مرورها بجانب سور مهدم، لمحت نقشًا باهتًا على الطوب القديم:
"مَن خان العهد، تُحبسه الجدران."
تذكرت حكاية قديمة كانت جدتها تحكيها لها وهي صغيرة:
"في يوم من الأيام، سكّان المدينة دفنوا أسرارًا وخطايا تحت الأرض… أغلقوا الأبواب على ناس أحياء، وسكتوا عن الحق.
وقالوا: لنذكر الخير فقط... لكن الأرض لا تنسى."
قيل إن المدينة ظلت تنام لسنوات، لكن حين يعود أحد "المنسيين"، تبدأ في الاستيقاظ.
---
أرادت أن تهرب… أن تجري… لكن لا أبواب للخروج.
كل الطرق تؤدي إلى نقطة واحدة: "باب الندم".
في وسط ساحة صغيرة كانت تعرفها جيدًا من طفولتها، وجدت كرسيًا خشبيًا قديمًا، وعلى الجدار أمامه لوحة مكتوب عليها:
"اجلسي إن كنتِ نادمة."
ترددت… ثم جلست.
وفجأة، تنفّست المدينة بعمق، كأنها تنتظر هذا القرار منذ سنوات.
بدأت الأصوات تعود… الناس يظهرون… الشوارع تضيء.
لكن حين نظرت "مريم" إلى نفسها في زجاج نافذة قريبة، لم ترَ وجهها... بل رأت المدينة نفسها تنظر لها.
عندها فقط أدركت:
لم تكن المدينة تنتظر عودتها…
بل كانت تنتظر أن تصبح جزءًا منها... إلى الأبد.
تحولت مريم إلى نقش حجري على أحد جدران المدينة — عينان تلمعان، ووجه مشبع بالحزن — وكأنها تصرخ في صمت.
وفي اليوم التالي، مرت طفلة صغيرة تمسك بيد والدتها، توقفت فجأة أمام الجدارية وقالت:
"ماما… الست دي بتبصلي!"
ابتسمت الأم وأخذتها بعيدًا، لكن الجدارية ظلت تنظر.
لا أحد يعرف إن كانت الطفلة حقيقية، أم مجرد وهم جديد…
صورة من لعبة المدينة التي لا تنام.
فربما كانت الضحية القادمة… قد وصلت بالفعل.
---
أحيانًا، لا نترك الأماكن… بل هي من تتركنا.
ومتى استيقظت الشوارع… لا تعود كما كانت أبدًا.
تعليقات
إرسال تعليق
رأيك يهمنا! اكتب لنا في التعليقات لو عندك فكرة، سؤال، أو حتى كلمة حلوة… وجودك بيفرق